من مقال الاستاذ الفاضل محمد عيد


24 Dec
24Dec

من مقال الاستاذ الفاضل / *محمد* *عيد*


من غرائب المصادفات أن الطيب صالح زار مدينتي "صور"، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، حين كان يعمل مديراً إقليمياً بمنظمة اليونيسكو في باريس، وأثناء تجواله في حي "المصفية" بالمدينة القديمةمر هو ومرافقوه بماحة (دكان صياغة) *شيخ* *الصائغين* *عبدالله* *ود* *إسماعيل* ، أحد أشهر صاغة الخناجر في عمان، فدخل الطيب الماحةوسلم على صاحبها وافترش الأرض وتناول التمر والقهوة وتجاذب أطراف الحديث مع *الشايب* " *ود* *إسماعيل* " حول صياغة المشغولات التراثية..

 لاسيما السيوف والخناجر، ودون بعض المعلومات والتقط صوراً للقطع المتوفرة في الماحة بحكم الغرض من زيارته كموظف بمنظمة اليونيسكو، ومن بين القطع التي لفتت انتباهه سيف "يماني" تفنن " *ود* *إسماعيل* " في تزيين غمده ومقبضه بالقطع والمشغولات الفضية.. كان معلقا على الجدار فوق رأس الصائغ، فأستأذن *الطيب* *صالح* صاحب الماحة لمعاينة السيف.

وبعد أن تمعن الطيب صالح في صناعة الجراب من الخارج سحب نصل السيف من غمده، فكان سيفاً يمانياً.. مستقيما حاداً شديد اللمعان، فمرر أصابعه على طول النصل وهو يتغنى *ببيت* *شعر* من قصيدة *للمتنبي* يقول فيه:

*تُهاب* *سيوف* *الهند*  *وهي*  *حدائد*           *فكيف* *إذا* *كانت* *نزارية* *عربا*

بيد أن دهشة *الطيب* *صالح* إعجابا بإتقانه الصنعة لم تكتمل قبل أن تتحول إلى اندهاش، فظل فاغرا فاه بعد أن سمع *الصائغ* " *ود* *إسماعيل* " يُعيد البيت نفسه مستبدلا كلمة "حدائد" بـ"حدائب" وهو يضغط كفه بقوة على الحد الخارجي لنصل سيف هندي، ثم ازدادت دهشة الطيب صالح عرضا عندما استمع إلى *شرح* " *ود* *إسماعيل* " لبيت المتنبي واقتنع به.. علما ان الطيب صالح عاشق للمتنبي ودرس أشعاره، وحفظها، واطلع على كل ما كتب عنها وعن حياة ابي الطيب.

هذه الواقعة أتي عليها *الطيب* *صالح* بعد 15 عاما من زيارته لصور في القاهرة، حيث قال:

 "جمعتني مائدة غداء أقامها الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة بالدكتور محمود مكي أستاذ الأدب الأندلسي في جامعة القاهرةوعضو مجمع اللغة العربية، وقادنا الحديث إلي ساحل أبي الطيب المتنبي، وذاك لعمري بحر لا أبالي إن أنا ألقيت بنفسي في خضمه، وذكرنا قصيدته في مدح سيف الدولة التي مطلعها:


فديناك من ربع وإن زدتنا كربا فأنك كنت الشرق للشمس والغربا

وفيها ذلك البيت الذي تجده في طبعات الديوان كلها مكتوبآ هكذا:

*تُهاب* *سيوف* *الهند* *وهي* *حدائد*           *فكيف* *إذا* *كانت* *نزارية* *عربا*

وذكرت لهم ما علمنيه *صانع* *السيوف* *العماني* في بلدة " *صور* " منذ نحو *خمسة* *عشر* *عاماً* أن المتنبي لم يقل حدائد بـ"الدال"ولكنه قال حدائب بـ"الباء"وشرح لي أن السيف الهندي أحدب أو محدودب يقطع من جهة واحدة في حين أن السيف العربي مستقيم ذو حدين ويقطع من جهتين. فذلك موضع المدح. وقدأعجبني الشرح ورضيت به، لكن الدكتور محمود مكي رفض ذلك جملة وتفصيلا مفضلا ما ذهب إليه جمهرة شرَّاح المتنبي إلي أنالشاعر يرمي إلي تفضيل سيف الدولة علي سيوف الحديد".

ولقد تمسك الطيب صالح بوجهة نظره، مع علمه انه سيخسر الرهان حيث قال: "الدكتور محمود مكي مع علمه وراءه مجمع اللغة العربية وجمهرة شراح المتنبي وأنا أقف أعزل ليس معي سوى *صانع* *سيوف* *عماني* ".

رحم الله الطيب صالح

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.